التعليم الفني بين القرارات المتتابعة والحاجة إلى الإدارة المؤسسية المتكاملة لماذا؟ - Egyptian Technical Education Between Successive Decisions and the Need for Integrated Institutional Management
• التعليم الفني بين القرارات المتتابعة والحاجة إلى الإدارة المؤسسية المتكاملة لماذا؟:
Egyptian Technical Education Between Successive Decisions and the Need for Integrated Institutional Management
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• تمهيد:
لا تنطلق هذه المقالة من الرغبة في انتقاد مسؤول بعينه، أو التقليل من الجهود المبذولة لتطوير التعليم الفني، إنما من محاولة فهم بعض الاختلالات التي تظهر داخل المنظومة، رغم تعدد المبادرات والمشروعات والقرارات الهادفة إلى تطويرها. إنما في طرح مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إجابات، كيف نضمن أن تخدم قرارات التعليم الفني الطالب والمعلم وسوق العمل؟ ولا تتحول إلى تغييرات متتابعة تتحمل المنظومة آثارها؟ كيف يتم حماية مصالح الطالب والمعلم وسوق العمل؟ كيف يتم تعظيم الاستفادة من الموارد، وتحقيق التوازن بين التعليم والتدريب وسوق العمل؟
التعليم الفني ليس مجرد مدارس ومناهج ومعلمين وطلاب، بل هو منظومة متكاملة ترتبط بالتخطيط الاقتصادي للدولة، واحتياجات سوق العمل، وسياسات التشغيل، والتدريب العملي، واستثمارات القطاع الخاص والتنمية والاستثمار، ومستقبل الشباب.... فهل تكمن المشكلة في نقص القرارات والمبادرات، أم في الحاجة إلى منظومة مؤسسية تضمن ترابطها وتكاملها واستمرار تقييم نتائجها؟ وهل يتم استغلال الإمكانات المتاحة والمهدرة والمنسية للتعليم الفني الاستغلال الأمثل للصالح العام؟
• أولاً: عندما تتحول القرارات المتتابعة إلى عبء على المنظومة:
1. من الطبيعي أن تتغير السياسات التعليمية وفقًا لتغير احتياجات المجتمع وسوق العمل والتطور التكنولوجي. لكن التغيير المطلوب يجب أن يستند إلى دراسة، وأن يكون امتداد لخطة واضحة للجميع، وأن يخضع لتقييم نتائج القرارات السابقة.
2. تظهر المشكلة عندما تصدر قرارات متتابعة دون التأكد من اتساقها مع بعضها البعض، أو دون قياس آثارها على المدارس والطلاب والمعلمين والتخصصات المهنية. فقد يؤدي قرار إلى تطوير جانب من المنظومة، بينما يتسبب قرار آخر في إضعاف جانب مختلف منها. وقد تنجح مبادرة في تحقيق هدفها المباشر، لكنها لا تحقق النتيجة المطلوبة على مستوى المنظومة ككل.
3. هنا يجب التمييز بين سرعة اتخاذ القرار وجودة القرار؛ فليست كثرة القرارات دليل على كفاءة الإدارة، كما أن استمرار تغيير السياسات لا يعني بالضرورة استمرار التطوير. إن التطوير الحقيقي هو الذي يبني على النتائج السابقة، ويعالج أوجه القصور، ويحافظ على ما أثبت نجاحه، ويغير ما ثبت عدم جدواه، وفقًا لمعايير واضحة.
• ثانياً: الإنجاز الإداري أم الأثر الحقيقي؟
1. قد تتأثر جودة القرارات، في بعض المؤسسات، بتركيز نظم تقييم الأداء على الإنجازات التي يمكن الإعلان عنها سريعًا، مثل إطلاق مشروع جديد أو توقيع اتفاقية أو إنشاء برنامج مستحدث، دون إعطاء الاهتمام نفسه لنتائج هذه الإنجازات على المدى المتوسط والطويل.
2. لا يعني ذلك اتهام المسؤولين بالسعي إلى تحقيق مصالح شخصية، وإنما يشير إلى أهمية تصميم نظم إدارية تقيس النتائج الفعلية، لا مجرد الأنشطة المنفذة. فالمشروع الذي لا يحقق احتياجًا حقيقيًا لسوق العمل لا يصبح ناجحًا لمجرد إطلاقه، والبرنامج الذي لا يضيف مهارات مطلوبة لا يصبح فعالًا لمجرد تخريج أعداد من المتدربين، والاتفاقية التي لا تحقق التزامات متوازنة لا تصبح شراكة ناجحة لمجرد توقيعها.
3. لذلك ينبغي أن ترتبط المسؤولية الإدارية بمؤشرات أداء تشمل جودة التعليم والتدريب، وكفاءة الإنفاق، ورضا المستفيدين، وفرص التشغيل، واستدامة النتائج. والأهم أن يكون تقييم أي قرار مرتبطًا بالأثر الذي أحدثه، وأن تُستخدم نتائج التقييم في تصحيح المسار قبل إصدار قرارات جديدة.
• ثالثاً: التخصصات المهنية والمعلم والطالب:
1. من القضايا التي تستحق الدراسة والتوثيق ما قد يحدث من إغلاق بعض التخصصات داخل بعض المدارس أو إعادة توزيع الطلاب بين المدارس، أو تكليف معلمين متخصصين في التدريب العملي بأعمال إدارية أو أمنية لا تستفيد من خبراتهم الفنية.
2. لا يمكن الحكم على كل قرار من هذه القرارات بمعزل عن ظروفه؛ فقد تكون إعادة هيكلة تخصص ما ضرورية إذا انخفض الطلب عليه أو ظهرت بدائل أكثر كفاءة.
3. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل تستند هذه القرارات إلى دراسة موثقة لاحتياجات سوق العمل، والطاقة الاستيعابية للمدارس، وتكلفة التشغيل، وتوافر التجهيزات والمعلمين، ومستقبل الطلاب الملتحقين بالتخصص؟
4. إغلاق تخصص مهني مطلوب دون توفير بديل مناسب قد يضعف قدرة السوق على الحصول على الكفاءات التي يحتاج إليها. ونقل الطلاب إلى مدارس أخرى قد يفرض عليهم أعباء إضافية أو يؤثر في انتظامهم الدراسي.
5. كما أن استخدام المعلم العملي في مهام بعيدة عن تخصصه، تعطيل للتدريب وخسارة للمعلم، يمثل خسارة للموارد والخبرات التي استثمرت الدولة في إعدادها.
6. ومن ثم، فإن أي قرار بإغلاق مدرسة أو تخصص أو إعادة توزيع الطلاب والمعلمين يجب أن يخضع لتقييم مسبق، وأن يضمن استمرار العملية التعليمية وحماية حقوق الطلاب، مع توفير البدائل اللازمة قبل التنفيذ. ولنا في هذه الواقعة الكثير من المدارس والتخصصات على مستوى الدولة.
• رابعاً: الشراكة مع القطاع الخاص وتوازن المصالح:
1. تمثل الشراكة مع القطاع الخاص إحدى الوسائل المهمة لتطوير التعليم الفني، لأنها تتيح ربط البرامج التعليمية بالمهارات المطلوبة، وتوفير بيئات تدريب عملية، والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا الحديثة.
2. لكن الشراكة ليست مجرد وجود شركة إلى جانب مدرسة، ولا مجرد اتفاق على إدارة برنامج تعليمي أو تدريب مجموعة من الطلاب.
3. الشراكة الحقيقية تقوم على توزيع واضح للمسؤوليات، وتحديد مساهمة كل طرف، وضمان جودة التدريب، وقياس النتائج، وتحقيق قيمة مضافة لجميع الأطراف.
4. هنا تبرز قضية تستحق الفحص: إذا كان بعض الطلاب في برامج معينة يتحملون مصروفات سنوية مرتفعة، فما طبيعة هذه البرامج؟ وما الخدمات والتجهيزات والتدريبات التي يحصلون عليها مقابل هذه المصروفات؟ وما مساهمة الشريك الخاص؟ وهل تتضمن الاتفاقية تدريبًا مدفوع الأجر أو حوافز للطلاب؟ وما فرص التوظيف المتاحة بعد التخرج؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن تستند إلى بيانات كل برنامج واتفاقه، لا إلى تعميم على الشراكات.
5. ينبغي ألا تتحول الشراكة إلى وسيلة لنقل الأعباء المالية إلى الطالب وحده، في الوقت الذي يستفيد فيه سوق العمل من الكفاءات التي يجري إعدادها. بل يجب أن تكون هناك رؤية واضحة لكيفية توزيع تكاليف إعداد العامل الماهر ومنافعه بين الدولة والمؤسسة التعليمية والشريك الخاص، وفقًا لطبيعة كل نموذج. فالطالب ليس مجرد مستفيد من خدمة تعليمية، بل هو محور المنظومة، وإعداده الجيد استثمار في مستقبل الاقتصاد.
• خامساً: التنسيق بين الوزارات والقطاعات وسوق العمل:
1. قد تتوزع مسؤوليات التعليم الفني والتشغيل والتنمية الاقتصادية بين جهات متعددة، لكل منها اختصاصاتها وأهدافها وخططها. وهذا التعدد ليس مشكلة في حد ذاته؛ بل قد يكون مصدرًا للقوة إذا جرى تنسيقه ضمن رؤية وطنية مشتركة.
2. لكن غياب التكامل الفعلي بين الخطط والقرارات قد يؤدي إلى ازدواجية الجهود، أو تضارب الأولويات، أو إعداد برامج لا تتناسب مع احتياجات التشغيل، أو اتخاذ قرارات داخل قطاع معين دون تقدير آثارها على القطاعات الأخرى.
3. فإن التنسيق المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على الاجتماعات أو تبادل الخطابات أو توقيع بروتوكولات التعاون، بل يجب أن يتحول إلى عملية مستمرة تبدأ بقراءة سوق العمل، ثم تحديد احتياجاته، ومراجعة العرض التعليمي والتدريبي، وتحليل الفجوات، وتصميم البرامج المشتركة، ومتابعة التنفيذ، وقياس النتائج، ثم تعديل السياسات وفقًا لما تكشفه التجربة. وبذلك يصبح سوق العمل مصدرًا أساسيًا للمعلومات والتوجيه، وليس مجرد جهة يُطلب منها استيعاب الخريجين بعد انتهاء العملية التعليمية.
• سادساً: الحاجة إلى آلية مؤسسية لمراجعة القرارات ومحاسبة النتائج:
1. لا يكفي أن يكون لكل جهة مسؤول عن اتخاذ القرار؛ بل ينبغي أن توجد آلية واضحة تضمن دراسة القرارات المؤثرة ومراجعتها وتقييم نتائجها.
2. يمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء مجلس تنسيقي وطني مختص، أو تفعيل آلية مؤسسية قائمة، تضم الجهات المعنية بالتعليم الفني والتدريب المهني والتشغيل، إلى جانب ممثلي أصحاب الأعمال والعمال والمؤسسات التعليمية والخبراء، مع تمثيل مناسب للطلاب والمستفيدين.
3. لا ينبغي أن يكون دور هذه الآلية إضافة مستوى إداري جديد، وإنما ضمان تكامل السياسات وتحديد المسؤوليات ومراجعة الأثر. ومن أهم اختصاصاتها المقترحة:
1. مراجعة القرارات الاستراتيجية ذات التأثير الواسع قبل تنفيذها.
2. مراجعة نتائج القرارات السابقة وتصحيح مسارها عند ظهور آثار سلبية.
3. وضع مؤشرات موحدة لقياس جودة المخرجات وفرص التشغيل وكفاءة الإنفاق.
4. مراجعة قرارات إغلاق المدارس والتخصصات أو استحداثها وإعادة توزيع الموارد.
5. دراسة الآثار المالية والاجتماعية والتعليمية للقرارات على الطلاب والمدارس والمعلمين.
6. التأكد من اتساق الخطط التعليمية والتدريبية مع احتياجات سوق العمل وخطط التنمية.
7. تقييم الشراكات مع القطاع الخاص من حيث توزيع الالتزامات والتكاليف والمنافع وجودة التدريب.
8. إصدار تقارير دورية توضح النتائج والتحديات والإجراءات التصحيحية، مع تحديد المسؤوليات عن التنفيذ.
ويجب أن تكون هذه الآلية محددة الصلاحيات، وألا تتحول إلى مجرد لجنة إضافية، بل إلى وسيلة عملية لتحسين القرار وتعزيز الشفافية والمساءلة.
• سابعًا: من إدارة المدارس إلى إدارة منظومة إنتاج الكفاءة المهنية:
إن مستقبل التعليم الفني يتطلب تغييرًا في طريقة النظر إلى المنظومة نفسها. فبدلًا من أن يكون التركيز الأساسي على إدارة المدارس والمناهج وأعداد الطلاب، يجب أن يمتد إلى إدارة دورة إنتاج الكفاءة المهنية كاملة: من تحديد المهن المطلوبة، إلى تصميم البرامج، وتوفير التدريب العملي، وتقييم المهارات، والتأهيل للتشغيل، ومتابعة الخريجين، وقياس رضا أصحاب الأعمال.
وهذا لا يعني إخضاع التعليم لاحتياجات التوظيف الفورية وحدها، بل تحقيق التوازن بين احتياجات السوق، والمهارات الأساسية التي يحتاج إليها الطالب، وحقه في تعليم جيد، وقدرته على التطور المهني والتعلم المستمر.
فالمنظومة الناجحة ليست التي تُخرّج أعدادًا كبيرة فحسب، وإنما التي تُعد أفرادًا يمتلكون مهارات حقيقية، وتمنحهم فرصًا عادلة، وتساعد الاقتصاد على الحصول على الكفاءات التي يحتاج إليها.
• خلاصة القول :
1. لا غنى عن خبراء الحقل التعليمي للتعليم الفني للمراجعات قبل اتخاذ قرارات قد تكون مكلفة.
2. لا غني عن التطوير للتعليم الفني، ولكن لماذا نُناشد التغيير الخارجي دائما دون الرجوع لرجال وخبراء التعليم.
3. إن تطوير التعليم الفني لا يحتاج فقط إلى مبادرات جديدة، بل يحتاج أيضًا إلى التأكد من أن كل مبادرة جديدة تعالج مشكلة حقيقية، وأن كل قرار يستند إلى معلومات موثوقة، وأن كل شراكة تحقق قيمة مضافة، وأن كل تغيير يراعي آثاره على الطالب والمعلم والمدرسة وسوق العمل.
4. لا ينبغي أن يكون الهدف هو إثبات نجاح قرار سابق أو الدفاع عن مشروع قائم، وإنما الوصول إلى أفضل النتائج الممكنة، حتى لو تطلب ذلك مراجعة قرار أو تعديل برنامج أو إعادة توزيع الموارد.
5. المسؤولية المؤسسية الحقيقية لا تعني عدم وقوع الأخطاء، بل تعني اكتشافها مبكرًا، والاعتراف بآثارها، وتصحيحها، ومنع تكرارها.
6. إن السؤال الذي ينبغي أن يحكم تطوير التعليم الفني ليس: كم قرارًا اتخذنا، أو كم مشروعًا أطلقنا؟ بل: ما الذي تغير بالفعل في جودة التعليم، وكفاءة التدريب، ومصلحة الطالب، وقدرة سوق العمل على الحصول على العمالة الماهرة؟
7. عندما تصبح الإجابة عن هذا السؤال أساسًا لتقييم القرارات والقيادات والبرامج، يمكن أن تنتقل منظومة التعليم الفني من تعدد المبادرات إلى تكامل السياسات، ومن قياس الأنشطة إلى قياس النتائج، ومن القرارات المنفصلة إلى الإدارة المؤسسية المتكاملة.
• ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البحث والاعداد / بدرالدين أحمد

وفقكم الله ورعاكم وسدد خطاكم لكل خير
ردحذفآمين آمين وإياكم إن شاء الله ــ جزاء الله خيراً
حذف